القرطبي

51

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( وليخش ) حذفت الألف من ( ليخش ) للجزم بالامر ، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الامر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر . وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم ، وأنشد الجميع : محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من شئ تبالا ( 1 ) أراد لتفد ، ومفعول ( يخش ) محذوف لدلالة الكلام عليه . و ( خافوا ) جواب ( لو ) . التقدير لو تركوا لخافوا . ويجوز حذف اللام في جواب ( لو ) . وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها ، فقالت طائفة : هذا وعظ للأوصياء ، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم ، قاله ابن عباس . ولهذا قال الله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) . وقالت طائفة : المراد جميع الناس ، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس ، وإن لم يكونوا في حجورهم . وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده . ومن هذا ما حكاه الشيباني قال : كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك ، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي ، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان . فقلت له : يا أبا بشر ( 2 ) ، ودي ألا يكون لي ولد . فقال لي : ما عليك ! ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت ، أحب أو كره ، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ، ثم تلا الآية . وفي رواية : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه ، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك ؟ فقلت : بلى ! فتلا هذه الآية ( وليخش الذين لو تركوا ) إلى آخرها . قلت : ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف ( 3 ) الله في تركته ) . وقول ثالث قاله جمع من المفسرين : هذا في الرجل يحضره الموت

--> ( 1 ) البيت قيل لحسان . وقيل لأبي طالب . وتبالا : سوء العاقبة وأصله : وبال أبدلت الواو تاء . الخزانة ج 3 ش 680 ( 2 ) في ب وه‍ وط : أبا بسر ، وكلاهما وارد كما في التهذيب . والقصة في تفسير هذه الآية في الطبري بأوضح . ( 3 ) في ى : أخلفه .